الشيخ محمد رشيد رضا
49
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بل سعيا منه في تخليص إلهه عن سؤال العبد « وأقول قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي الحسين صحة هذه المناظرة الدقيقة بين العبد وبين اللّه ( تعالى ) انما لزمت على قول المعتزلة وأما على قول أصحابنا رحمهم اللّه فلا مناظرة البتة بين العبد وبين الرب ، وليس للعبد أن يقول لربه لم فعلت كذا أو ما فعلت كذا فثبت أن خصماء اللّه هم المعتزلة لا أهل السنة وذلك يقوي غرضنا ويحصل مقصودنا « ثم نقول أما الجواب الأول وهو أن إطالة العمر وتوجيه التكليف تفضل فيجوز أن يخص به بعضا دون بعض . فنقول هذا الكلام مدفوع لأنه تعالى لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من ايصاله إلى الثاني قبيح من اللّه تعالى لان الايصال إلى هذا الثاني ليس فعلا شاقا على اللّه تعالى ولا يوجب دخول نقصان في ملكه بوجه من الوجوه وهذا الثاني يحتاج إلى ذلك التفضل ، ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد ألا ترى أن من منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجدار لعامة الناس قبح ذلك منه لأنه منع من النفع من غير اندفاع ضرر اليه ولا وصول نفع اليه ، فإن كان حكم العقل بالتحسين والتقبيح مقبولا فليكن مقبولا ههنا ، وإن لم يكن مقبولا لم يكن مقبولا البتة في شيء من المواضع وتبطل كلية مذهبكم فثبت أن هذا الجواب فاسد ، وأما الجواب الثاني فهو أيضا فاسد وذلك لان قولنا تكليفه يتضمن مفسدة ليس معناه أن هذا التكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة وإلا لزم أن تحصل هذه المفسدة أبدا في حق الكل وانه باطل ، بل معناه ان اللّه تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص فان انسانا آخر يختار من قبل نفسه فعلا قبيحا فان اقتضى هذا القدر أن يترك اللّه تكليفه فكذلك قد علم من ذلك الكافر أنه إذا كلفه فإنه يختار الكفر عند ذلك التكليف فوجب أن يترك تكليفه وذلك يوجب قبح تكليف من علم اللّه من حاله انه يكفر وان لم يجب ههنا لم يجب هنالك . وأما القول بأنه يجب عليه تعالى ترك التكليف إذا علم أن غيره يختار فعلا قبيحا عند ذلك التكليف ولا يجب عليه تركه إذا لم تعالى ان ذلك الشخص يختار القبيح عند ذلك التكليف فهذا محض التحكم ، فثبت أن الجواب الذي استخرجه أبو الحسين بلطيف فكره ودقيق نظره بعد أربعة أدوار ضعيف وظهر أن خصماء اللّه هم المعتزلة لا أصحابنا واللّه أعلم اه كلام الرازي « تفسير الآن الحكيم » « 7 » « الجزء الثامن »